الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي

42

شرح الحلقة الثالثة

إدانة إلا مع القدرة حدوثا ، فما هو شرط التكليف إذن بموجب هذا البرهان هو القدرة حدوثا . ومن هنا صحّ أن يقال : إنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي إطلاق الخطاب والوجوب المجعول أيضا ؛ تبعا لعدم منافاته للعقاب والإدانة . والدليل على كفاية القدرة حدوثا وعدم اشتراط بقائها هو : أنّ التكليف قد جعل بداعي البعث والتحريك من المولى كما تقدّم ، وحينئذ يحكم العقل بوجوب التحرّك والانبعاث عن أمر المولى وتكليفه ولزوم إطاعته وامتثاله واستحقاق العقوبة على مخالفته وعصيانه . وهذا معناه أنّ التحريك المولوي يستلزم الإدانة والعقاب على المخالفة ، فحيث ثبتت المحركيّة تثبت الإدانة ، وإذا انتفت المحركيّة تنتفي الإدانة أيضا ، فهما أمران متلازمان ثبوتا وانتفاء . ولكن حيث إنّ القدرة شرط في الإدانة حدوثا فيكفي أن يكون المكلّف قادرا على الفعل ابتداء ، وإن زالت قدرته عليه بقاء ، فيكون مدانا لو لم يمتثل ، فكذلك التكليف المولوي ؛ لأنّ المحركيّة لمّا كانت ملازمة للإدانة فلا بدّ أن تكون مشروطة بالقدرة بنفس القدر الذي اشترطت فيه الإدانة ، وهو القدرة حدوثا وإن زالت بقاء ؛ لأنّه لو كانت القدرة في التكليف شرطا بقاء أيضا فإذا زالت لا تكليف ، فالمفروض حينئذ ألّا يكون مدانا أيضا ؛ لأنّ الإدانة تنشأ عن مخالفة التكليف وهو خلف ما تقدّم . إذا يتعيّن بهذا البرهان أنّ القدرة في التكليف كالقدرة في الإدانة يشترط وجودها حدوثا وإن ارتفعت بقاء . ومن هنا صحّ أن يقال : ( إنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقابا ولا ينافيه تكليفا أيضا ) ، فالخطاب مطلق ويشمل القادر في تمام الوقت ويشمل القادر الذي زالت قدرته فيما بعد كالإدانة تماما . نعم ، لا أثر عمليّا لهذا الإطلاق ، إذ سواء قلنا به أم لا ، فروح التكليف محفوظة على كلّ حال ، وفاعليّته ساقطة على كلّ حال ، والإدانة مسجّلة على المكلّف عقلا بلا إشكال . وأمّا الفائدة والأثر العملي بين القولين :